الجمعة، 5 مايو 2017

أمهات ساحة مايو

فى 30 أبريل/نيسان 1977 خرجت مجموعة من 14 امرأة إلى ساحة مايو أمام القصر الرئاسي في العاصمة الأرجنتينية بيونس آيرس حاملات صور أبنائهن وبناتهن المختفين قسرياً بعد فشلهن في معرفة أماكنهن من المسؤولين، وكان خروج النساء في ذلك الوقت غير مألوف هناك، ولكنهن أمهات انفطرت قلوبهن على أبنائهن، وأطلق عليهن فيما بعد أمهات ساحة مايو وأصبحوا رمزاً للنضال.

أثناء الحكم العسكري للأرجنتين في الفترة من من عام 1976 إلى عام 1983، جاء إلى حكم البلاد الديكتاتور خورخي فيديلا بعد انقلاب على السلطة؛ حيث أطاح بإيزابيلا بيرون وحكم البلاد حكماً قمعياً فاشياً ومستبداً، ففي ذلك الوقت قدر عدد المختفين بنحو 30 ألفاً من الطلبة والمعارضين والعمال النقابيين حتى الأطفال الرضع؛ حيث كان يتم خطفهم وبيعهم للأسر الغنية وإهداؤهم للجنرالات والقادة العسكريين، وهو الأمر الذي عرف فيما بعد بظاهرة الاختفاء القسري وهذا المصطلح الذي أطلقته بعثة الأمم المتحدة على حوادث الاختطاف والإخفاء الذي تم خارج عن القانون التي انتشرت في تلك الفترة عندما جاءت بعثة من الأمم المتحدة لتحقق في تلك الجرائم.

ولم يلتفت المجتمع الدولي لهذه الجرائم حينذاك، وتغاضت الولايات المتحدة عن عمد على الرغم من أنها كانت تستخدم حدوث مثل هذه الجرائم كمبررات قوية لتدخلها في الشؤون الداخلية للدول، بحجة التدخل الإنساني، والحفاظ على حقوق الإنسان، خاصة في دول الجوار الإقليمي في أميركا اللاتينية التي لطالما اعتبرتها منطقة نفوذ تقليدية، ويسجل تاريخها كثيراً من هذه التدخلات، إلا أن الولايات المتحدة لم تهتم بهذه الجرائم، ولم تحاول الضغط على القادة العسكريين في الأرجنتين لوقف هذه الانتهاكات، وكأن ارتكاب هذه الجرائم كان يروق لها، وفي نفس الوقت ظلت “أمهات ساحة مايو”، يتظاهرن بشكل دوري، فكن يحتشدن يوم الخميس من كل أسبوع، يرتدين مناديل بيضاء، التي اتخذوها كرمز للاعتراض على ما حدث لذويهن، وقامن بتطريز أسمائهن باللون الأزرق.

فى بداية الحركة لم يعترضهن الأمن؛ حيث وقف الضباط مستهزئين بهن، فهن بالنسبة لهم مجموعة من النساء جُنِننّ بعد أن انفرط قلبهن في البحث عن أبنائهن، وكان ذلك من حسن حظهم؛ حيث لم يستشعر النظام أي خوف أو قلق منهن، واستمررن في التظاهر، ولم يكن يدري النظام أن هؤلاء النساء سيكنّ السبب في فضح جرائم النظام العسكري في الأرجنتين أمام العالم أجمع، وذلك عندما قامت الأرجنتين بتنظيم كأس العالم لكرة القدم عام 1978، وهنا عرف العالم قصتهن، ونتيجة لذلك رفض نجم كرة القدم الهولندي يوهان كرويف المشاركة في كأس العالم، وبعد مباراة الأرجنتين وتشيلي الشهيرة في نصف نهائي كأس العالم، عندما فازت الأرجنتين بالمباراة توجهت إليهن غالبية وسائل الإعلام التي شاركت في تغطية هذه المباراة، وسُردت قصتهن للعالم كله، فاستطعن إيصال صوتهن ومعاناتهن حتى عرف الجميع ما يحدث في الأرجنتين.

وبسبب هؤلاء النساء وبسبب تحركات منظمة أمهات ساحة مايو وشهرتهن عالمياً، ازدادت التظاهرات في الشوارع، وبدأت الأوضاع في الأرجنتين تضطرب، وكعادة كل ديكتاتور كما برر القتل، وقام بإشعال حرب مُدبرة ومقصودة حول جزر الفوكلاند، وأعلن الحرب على بريطانيا التي كانت تمارس أعمال السيادة والإدارة على هذه الجزر، فكانت هذه الجزر محل نزاع تاريخي بين المملكة المتحدة والأرجنتين، وقد أدت هذه الحرب إلى تداعيات اقتصادية وخيمة على البلاد، بهدف إلهاء الناس عن طريق خلق عدو آخر، وتحويل أنظارهم من الاهتمام بقضية المختفين قسرياً إلى قضية وطنية عظمى تتعلق بالدفاع عن الأرض، حتى يتغاضوا ويتناسوا عما يحدث، وبالفعل هذا ما حدث، وفي النهاية وخسرت الأرجنتين الحرب.

وقد كانت النهاية عام 1981 حيث قام انقلاب عسكري آخر على فيديلا وأطاحوا به من الحكم مثلما جاء بانقلاب عسكري، فحدث انقلاب آخر أطاح به، وقام به مجموعة من العسكريين الذين اختلفوا كثيراً فيما بينهم حتى قرر الشعب مصيره بانتخابات حرة عام 1983 بعد فترة انتقالية عسيرة.

وجاء إلى الحكم الرئيس ألفونسين، وتمت استعادة الحكم الديمقراطي ولاحق قضائياً كل المسؤولين عن جرائم الماضي، كما قام أيضاً بإنشاء اللجنة الوطنية المعنية بالأشخاص المختفين للتحقيق في حالات الاختفاء القسري، وفي عام 1985 حُكم على فيديلا بالسجن مدى الحياة لارتكابه أعمال قتل وتعذيب وجرائم أخرى، حتى جاء الرئيس كارلوس منعم، ومنحه عفواً في عام 1990، ولكن الأمر تبدل مرة أخرى، ففي أبريل/نيسان 2010 أيدت المحكمة العليا حكماً سابقاً أصدرته المحكمة الفيدرالية يقضي بإلغاء العفو عن فيديلا.

ويرجع الفضل في استمرارية كفاح هؤلاء النساء التي تحولت هذه الحركة لمنظمة وظل أعضاؤها يتظاهرن كل يوم خميس حتى عام 2006 للتذكير بما حدث لأبنائهن الذين لم يعثرن عليهم نهائياً أو على جثثهم حتى، وقد برر الديكتاتور السابق فيديلا ذلك بأنه الثمن الواجب دفعه، فلم يكن هناك أي حل آخر؛ لكي نكسب الحرب ضد المخربين -المعارضين- على حد قوله، وتلك المبررات لم يقتنع بها أحد على الإطلاق، فالجميع يعرف أنها حجج واهية لتبرير تصرفات حاكم عسكري ديكتاتوري تحت مسمى حماية البلاد بالقتل والاختطاف والتعذيب.

ففي خلال فترة حكمه بين 1976 و1981 تم خطف 30 ألفاً من خصومه السياسيين والطلبة والعمال النقابيين وكل مَن كان ينتمي للمعارضة، وقد قتل معظمهم فيما عرف باسم الحرب القذرة، حسبما أكدت كثير من المنظمات الحقوقية المختلفة التي عملت على توثيق هذه الجرائم.

وتضمنت ممارسات نظامه ضد خصوم حكمه العسكري عمليات اختطاف لمواليدهم وإعطاءهم فيما بعد لأعضاء الجيش ومسؤولي الدولة، كما كان يلقى بالمختفين بعد إخضاعهم لعمليات تعذيب من الطائرات في نهر ريفربليت حتى لا يتم العثور على جثثهم.

وفى عام 2012 توفي خورخي فيديلا أثناء نومه، وكان يقضي عقوبة السجن على خلفية اتهامات بانتهاكه حقوق الإنسان مثل التعذيب والاختطاف، وقد كان يقول دوما: “إنهم مختفون ليسوا أحياء ولا أمواتاً، إنهم فقط مفقودون”.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هاف بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.

The post أمهات ساحة مايو appeared first on الامل نيوز.



from الامل نيوز http://ift.tt/2pLIvaV
via IFTTT

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق